هل اقتبس ستيفن كوفي العادات السبع للنجاح من القرآن والسنة؟


تناول خبير التنمية البشرية ستيفن كوفي وبالتفصيل موضوعاً في غاية الأهمية في باب النجاح والناجحين في الحياة، سمَّاهُ العادات السبع للنجاح أو العادات السبع للأشخاص الأكثر تأثيراً، أو العادات السبع للأشخاص ذوي الفعالية العالية، حيث ألَّفَ ستيفن أر كوفي (Stephen R. Covey)، كتاباً بعنوان: (The Seven Habits of Highly Effective People)


أي: العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية.

 

وقد تُرجم هذا الكتاب إلى 33 لغة، وبيع منه أكثر من 15 مليون نسخة، وهناك أكثر من خمسة ملايين متدرب حول العالم قد استفاد من برنامج (العادات السبع للأشخاص ذوي الفعالية العالية) للارتقاء بحياته الشخصية والعملية. يقول ستيفن آر كوفي: (إن الهدف الرئيسي من الالتحاق ببرنامج العادات السبع وورشة العمل هو أن تتعلم كيف تقود حياتك بطريقة فعالة حقّاً) وهي ليست وصفة سحرية لتحقيق المستحيل وإنما هي منهج للارتقاء والتطوير المستمر في إدارة الذات أولاً ثم إدارة العلاقات مع الآخرين، هذا الأمر لا يتطلب بذل الجهد المخلص والمستمر فحسب، بل يتطلب الكثير من الصبر والكثير من " لا يا نفسي "، فكلنا يعلم بأن التغيير والتطوير لا يحدث في غمضة عين، لذا كان لزاماً على الفرد بذل الجهد الحقيقي مع الالتزام والصبر لمدة قد تطول لحصد ثمار تبني مبادئ علم وثقافة العادات السبع للأشخاص ذوي الفعالية العالية في حياته. يقول الدكتور: "إن جميع تصرفاتنا تنبع من تصوراتنا الذهنية " (محور التفكير) وبناءً على ذلك فإن جميع ما نقوله أو نفعله أو نشعر به وحتى ردود أفعالنا تجاه المثيرات من حولنا تنبع من محور التفكير، فعندما يترسخ في الذهن تصور ذهني معين يتولَّد سلوكٌ موافقٌ لذلك التصور الذي حقيقته تفكراً وتدبُّراً.

 

يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران 190 - 191].

 

واعتقد ستيفن كوفي أنه جاء بعلم جديد وثقافة جديدة، وأنَّه وضع للبشرية منهجاً جديداً، إذ يدعو منهج الكتاب إلى التحرر من تبعية الآخرين والاعتماد على الذات من أجل النجاح، حيث يوضح كوفي بأن الأشخاص الناجحين استطاعوا أن يجعلوا العادات الإيجابية المفيدة (عادات الفاعلية والتأثير) جزءاً من حياتهم اليومية، لقد اعتمد هذا العالم في تعيينه لهذه العادات بدراسة مجموعة من الشخصيات المتميزة والفعالة على مر التاريخ، واستطاع استخلاص سبع عاداتٍ أساسية تميزت بها هذه الشخصيات وجعلتْ منها شخصيات فعالة، ولكن السؤال المهم هنا: هل استنبط أو اقتبس ستيفن كوفي هذه العادات من القرآن والسنة؟ وفي قراءة تدبرية للموضوع يمكن للمرء الوصول للجواب الشافي في ذلك.

 

و العادات السبع للناس الأكثر فاعلية كما جاء بها كوفي هي:

أولاً: كن مبادراً وسبّاقاً، أو: خذ روح المبادرة.

( Pro Active )

وهذه هي العادة الأولى وتكون مرتبطة بالشخصية، وهي تساعد صاحبها على تحقيق (أهدافه اليومية)، وهو ما يحقق له (الاستقلالية)، والاعتماد على الذات بشكل واضح المعالم. وهذه الصفة هي التي تنمي عند الشخص خاصية تحمُّل نتيجة قراراته تجاه الأحداث والمواقف والمشاهد التي تمر كشخصٍ معنيٍّ بالقرار لكي يستثمرها، فتكون وسيلة يندفع بها إلى الأمام وليس العكس.. فحين يكون الإنسان مبادراً تكون له مساحة كافية من الحرية الشخصية في اتخاذ القرارات المناسبة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3].

 

وهذه الحرية لكي تكون إيجابية وتتوافق مع ردود أفعال الشخص مع قراراته فالمفروض أن يتهيأ الشخص بأن يتصف بمجموعة من الصفات منها: (أن يكون هادئاً بنفسه وهادياً للآخرين، لا أن يكون خصماً وحكماً بذات الوقت، وأن يكون مثالاً يُحتذى به وليس مقلداً لغيره ومقتبساً من الآخرين (مع اعتماد قدوة بشكل عام )، وأن يكون هو واضع البرنامج وليس مُبَرمَجاً، وأن يضع الموضوع المطروح ضمن أضيق دائرة له وضمن سيطرته هو، ولا يوسع الدائرة إلى مجالات لا يسيطر عليها، وأن يحافظ على الوعود ولا يختلق الأعذار.

 

ومن تطبيقات علم التنمية البشرية في هذا الركن النص التالي: (حاول - لمدة ثلاثين يوماً - أن تعمل في دائرة التأثير، أي: في حدود إمكاناتك واستطاعتك، حافظ على مواعيدك، كن جزءاً من الحلِّ لا جزءاً من المشكلة)..

 

ويلاحظ موافقته التامة لما جاء بقوله تعالى: ﴿ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ [الأعراف: 142] وغير ذلك فإن شهر رمضان وهو شهر عبادة توقيفية نجد بين طياتها أموراً تربويةً في الصبر والطاعة وتهذيب النفس وتربيتها فلم يكن من المجازفات على الإطلاق أن يكون طول فترة الصيام 29 - 30 يوماً.

 

كما إن منهج الشريعة الإسلامية في بناء الشخصية يدعوها إلى المبادرة والتسابق إلى الخير وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 148]..

 

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ هنا أي بادروا بالطاعة والأعمال الصالحية وأعمال الخير لأنفسكم وللآخرين واسبقوا غيركم إلى الفوز بالأولوية والأفضلية. ولا طاعة ولا فضل طبعاً إلا باتباع خاتم الأنبياء والمرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم -، الذي يقول: (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً، أو غنىً مُطغياً، أو مَرضاً مُفسداً، أو هَرَماً مُفنداً، أو مَوتاً مُجهِزاً، أو الدَّجالَ فإنَّه شرُّ مُنتَظَر، أو الساعةَ، والساعةُ أدهى وأمرُّ)[1]، المفند: الفند بفتحتين هو ضعف الرأي من الهرم.

 

و إن كل إنسان لديه القوة لاتخاذ قراراته الشخصية، والناجحون يعملون الأشياء التي يملكون القدرة على التحكم بها، وهذا ما يسمى بـ (دائرة التأثير) بدلاً من الانشغال بالأشياء التي لا يستطيعون التحكم بها وهي ما يسمى (دائرة الاهتمامات)..

 

ومن تطبيقات هذه النقطة أيضاً أن يقوم الإنسان بتحديد ما يقع في دائرة إمكانياته، أي: ما يستطيع فعله وفق أدواته وقابلياته وطاقته، وأن يركز اهتماماته وجهوده لفترة محددة ثم يلاحظ نتيجة ذلك في عمله، وذلك متوافق فيما قاله القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286].

 

كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: "خُذوا من العمل ما تُطيقون، فإن الله لا يملُّ حتى تَمَلُّوا "[2]، وأحبُّ الصلاة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما دووم عليها وإن قلت، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها...

 

ومن تطبيقات هذه العادة في علم التنمية البشرية أن ينتبه الشخص إلى أسلوبه في الكلام، هل يستعمل عباراتٍ انفعالية تعتمد على ردود الفعل؟ المفروض طبعاً أن تكون الإجابة بلا.. وهذا ما يدعو إليه الإسلام بعدم الانفعال واستثارة العواطف لأي سبب كان، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].

 

بل وذهب الإسلام إلى ما هو أبعد من ذلك وأعطى الطرق والأساليب للتخلص من حالات هيجان العاطفة وانفلات النفس بسبب الغضب يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -:" إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فليجلسْ، فإِن ذهبَ عنه الغضبُ وإلاَّ فليضطجع"[3]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الغضبَ من الشيطان، وإن الشيطان خُلِقَ من النَّار، وإنما تُطفأ النَّارُ بالماء، فإِذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضَّأ"[4]. فضلاً عن أن الإسلام يدعو إلى التأني بشكل دائم في أداء نشاطات الحياة المختلفة وترك العجلة لأن فيها النتائج الوخيمة، وحتى العبادات بل وفي أهم العبادات فيقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -:" إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا تأتوها تَسْعَون، وأْتوها تَمشُون، وعليكمُ السكينةُ، فما أدركتمْ فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتموُّا"[5].

 

وعلى ذلك ولكي يكون المرء مبادراً وبإيجابية عليه أن يسأل نفسه بشكل دائم السؤال التالي: (هل تنبع تصرفاتي بناء على اختياري الشخصي حسب ما تمليه علي مبادئي أم بناء على وضعي ومشاعري والظروف؟).

 

والمبادرة كانت برنامجاً أساسياً في هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يذهب بنفسه لوفود الحجاج والقبائل ليعرض عليها الإسلام، ولم يكن يجلس في مكان واحد ويتوقع أن يأتي إليه الناس، ولم يكن يكتفي بأن يرسلَ الصحابةَ يميناً ويساراً بينما يجلس هو ويأخذ موقف المتفرج، وإنما كان سبَّاقاً للعمل عليه. ولهذا كان الدين الإسلامي دينَ دعوةِ الناس للحق والتحرك إليهم وعدم الجلوس والانتظار، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل:125].

 

ولقد كان من الممكن أن يُنشرَ الإسلامُ بأمر من الله بدون عناء ولا تعب وما أيسر ذلك على الله - ولم يكن الأمر بحاجة لأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي وغيرهم، ولكنها سنة كونية ماضية أن الله يريد من الناس العمل والعمل الدؤوب المتواصل وبعزيمة لا تلين لتحقيق الأهداف..

 

ثانياً: ابدأ وعينك على النهاية

Begin with the End in Mind

 

التخطيط والقيادة الشخصية:

تدعو التنمية البشرية إلى التخطيط في كافة الأعمال صغيرها وكبيرها وصولاً إلى النهاية المرجوة وهي الهدف المحدد، وعلى المستوى الزمني يبدأ التخطيط بالعمل اليومي، فالهدف يجب أن يكون واضحاً منذ البداية، وهذه عادة الأشخاص الناجحين، فيبدأ التخطيط اليومي بأهداف واضحة المعالم، والمفروض أن يكون السعي حثيثاً من أجل تحقيقها، وبأعمالٍ محددة يُسعى لإنجازها، وهنا لابد من إشارة مهمة فأهداف الناس في العادة في مجال التنمية البشرية هي أهداف دنيوية، وقد تكون ساميةً، فأهل الجد في الدنيا من العقلاء تكون أهدافهم سامية وإن كانت دنيوية، أما الإسلام فقد جعل الهدف هو (الجنة)، وربط هذا الهدف بكل أفعال الإنسان في حياته صغيرها وكبيرها، ويدخل في ذلك إدارة الوقت وأهميته، ويقصد بالوقت الإبداعي، ذلك الذي يخصص لعملية التفكير والتحليل والتخطيط المستقبلي، أو ذلك الذي يصرف في تحسين وضع الأداء وتطوير الإنجاز، أو ذلك الذي نحقق منه أرباحاً أفضل.

 

وليس بالضرورة أن يكون الإنجاز فورياً، لأن الوقت الذي يصرف لأجل ضمان المكاسب في المستقبل، كحل أزمات أو تقويم ارتباطات أو تكوين روابط وعلاقات، هو أيضاً وقت إبداعي، يقول جون ماتوك وهو أحد خبراء التنمية البشرية والإدارة العالميين: (فالأشخاص الذين يشعرون بالارتياح قليلاً حول أهدافهم غالباً ما يحصلون على صفقات أفضل مما يحصل عليه أولئك الذين ينتابهم القلق الشديد حول المشكلة )، عن خباب بن الأرت: قالوا شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسِّد بردةً له في ظِلِّ الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصرُ لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجلُ فيُحفرُ له في الأرض فيُجعل فيها فيُجاءُ بالمنشار فيُوضع على رأسه فيُجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد بين لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليَتِمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حضرموتَ لا يخاف إلا الله، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تستعجلون"[6].

 

فهنا يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى التركيز على الهدف المرسوم في الحياة، وعدم الالتفات إلى بعض التفاصيل الصغيرة مهما كانت قاسية أو مؤلمة كي لا تكون هذه التفاصيل سبباً في انهيار الأمور وعدم تحقيق الأهداف حين يقول لهم: (لا يصرفه ذلك عن دينه)، لقد كان الهدف وما زال هو الدين، ليس دين العبادات فحسب بل هو دين العبادات والمعاملات ومنهج الحياة الذي جاء به الإسلام وبقي رسولُ الله يدعو إليه ومازال الدعاة يدعون إليه وستستمر الدعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لأنه طريق الجنة.

 

إن الناجحين يعلمون أن الأشياء تبدأ كأفكار في العقل قبل أن تتحقق على أرض الواقع، لذلك فهم يكتبون أهدافهم ويجعلونها أساساً عند اتخاذ قراراتهم المستقبلية.

 

إنهم يحددون بدقة وعناية (أولوياتهم) قبل الانطلاق لتحديد أهدافهم ويضعون الخطط اللازمة لذلك، أما المخفقون فيسمحون لعاداتهم القديمة، ولأناس آخرين، وللظروف المحيطة بهم أن تملي عليهم أهدافهم، أو تؤثر في أولوياتهم أو تخطيطهم أو قراراتهم، إنهم يتبنون القيم والأهداف السائدة في مجتمعهم، وتقاليدهم، وثقافتهم، دون فحصها للتأكد من صحتها وسلامتها، أو مناسبتها لهم.

 

وقد انتقدت الشريعة الإسلامية هذا النوع من المخفقين ويتجلى ذلك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 104]، وهؤلاء يشرعون في خوض غمار الحياة نحو النجاح بطريق خطأ، فإذا وصلوا إلى آخر الطريق اكتشفوا أنهم يسيرون في غير الطريق المطلوب! إن الوجود الفعلي المادي للهدف، يتبع الوجود الذهني، فعلى سبيل المثل، يحتاج إنشاءُ مبنًى على الأرض وجود مخططات مسبقة لهذا البناء. فإذا كان المخطط صحيحاً، وممتازاً، وتم التنفيذ بالشكل المطلوب كان البناء ممتازاً..

 

إن من التطبيقات العملية لهذه العادة الثانية حسبما يراها علم التنمية البشرية أن يتأمل الشخص الفرق بين (القيادة) و(الإدارة)، ويعزم على الاتجاه الذي يريد المضي فيه والغايات التي يريد الوصول إليها في حياته وحسب المنهج الإسلامي، فإن الغايات والوسائل جميعاً ينبغي أن تكون صحيحة وحقيقية وايجابية، وينتج عنها فائدة عملية للشخص نفسه وللمجتمع الذي يعيش فيه..

 

فالإدارة من وجهة نظر إسلامية هي تكليف بواجب أو ما يعرف بوظيفة ضمن المجتمع،يكلف من يقوم بها ويدير شؤون من بمعيته.. في حين أن القيادة مواصفات خاصة لا يمكن أن يضطلع بها أي شخص لأنها تحتاج إلى اتخاذ قرارات ربما تكون صعبة أو يتوقف عليها مصير الأمة، والقيادة كذلك تحتاج إلى قوة في الشخصية وهذا هو سر تكليف النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد لقيادة الجيش الإسلامي رغم صغر سنه ووجود الكثير من كبار الصحابة..

 

ومن التطبيقات الأخرى لهذه العادة أن تختار مجموعة من الناس ممن حولك، كأن يكون (أحد أفراد أسرتك، صديقاً، رجلَ دين، زميلاً في العمل) ثم تكتب ما تود أن يقولوه فيك بعد وفاتك.. وهذا الأمر جاء به القرآن قبل ذلك حين قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة 105].

 

وفي معركة أحد لمَّا شُجَّت وجنتاه - صلى الله عليه وسلم - وكُسرت رَباعيته (السِنَّان الأماميان بالفك) يوم أُحد رفع يديه إلى السماء، فظن الصحابة أنه سيدعو على الكفار، ولكنه قال: "اللهمَّ اغفرْ لقومي فإنَّهم لا يعلمون " فلقد كان هدف النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أن يدعو الناس إلى الإسلام وليس أن يهلكوا لذلك لم يدع عليهم، وهو نفس الهدف حين أوذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة فخرج إلى الطائف، وقام أهل الطائف يرمونه بالحجارة، فأُدميت قدماه الشريفتان، وشكا إلى الله تعالى ضعف قوته وقلة حيلته وهوانه على الناس، فنزل جبريل عليه السلام، فنادى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله قد سمع قولَ قومك لك وما ردوا عليكَ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم"، ثم إن ملك الجبال قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت أطبقُ عليهم الأخشبين". فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: "بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً"[7].

 

فلم يكن هدف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يهلك أهل الطائف أو أهل مكة بل كان هدفه أن يهديهم الله للإسلام ولقد تحقق ذلك فيما بعد..

 

وكان - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يضع بنفسه للبعض من الصحابة أهدافا ليجعلوه نصب أعينهم وكما حصل مع أم حرام الصحابية الفاضلة فهي تحدث عن الموضوع فتقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً في بيتها (نام وقت الظهيرة )، فاستيقظ وهو يضحك، قالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يضحكُكَ، قال: (عجبتُ من قومٍ من أمتي يركبونَ البحر كالملوك على الأسرَّة). فقلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: (أنتِ معهم). ثم نام فاستيقظ وهو يضحك، فقال مثل ذلك مرتين أو ثلاثاً، قلت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ادع الله أن يجعلني منهم، فيقول: (أنت من الأولين). فتزوج بها عبادة ابن الصامت، فخرج بها إلى الغزو، فلما رجعت قربت دابة لتركبها، فوقعت فاندقَّت عنقها[8].

 

ثالثاً: الأَوْلَى أولاً

Put First Things First

تعني هذه النقطة ترتيب أولويات الأعمال للوصول إلى الأهداف، وإن اتصالها وثيقٌ ومباشرٌ بموضوع (إدارة الوقت)، وبترتيب الأمور المشار إليها في العادة الثانية، التي ينبغي القيام بها بحسب أهميتها. فلقد تبين من الدراسات التي أجريت في المراكز البحثية المعتمدة والمتخصصة في هذا المجال أن 80 %من النتائج المرجوة هي حصيلة 20 % من الجهود المركزة المبذولة من أجل تحقيقها.

 

لذلك في حالة الرغبة في استثمار الوقت استثمارا أمثلَ فيجب التقليل من الاهتمام بالأمور القليلة الأهمية وإن كانت مستعجلة، وأن نخصص وقتاً أطول للأمور الأهم التي قد لا تكون بالضرورة مستعجلة. إن الأمور المستعجلة الطارئة تتطلب اتخاذ إجراء مستعجلٍ وفوريٍّ حيالها وهو ما يضيع علينا الوقت اللازم للقيام بالأمور الحيوية الصحيحة والمهمة والتي هي غير مستعجلة، ويمكن تأخيرها قليلاً دون حصول ضرر يذكر من هذا التأخير.

 

والمنهجية التي سار عليها الإسلام هي أن الوقت شيء ثمين، وأن العمر هو الوقت الممنوح للإنسان، وهو منحةٌ من منح الله سبحانه وتعالى للإنسان فيجب استغلاله في أبواب الخير، لا في توافه وسفاسف الأمور، فقد روي في هذا الباب، (أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قال: من طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ. قال: فأيُّ النَّاسِ شرٌّ؟ قال: من طالَ عمُرهُ وساءَ عملُهُ )[9].

 

ووقت الفراغ نعمة أخرى إضافية فربما يكون الإنسان منشغلا في كثير من الأمور وليس لديه الوقت الكافي لبقية الأعمال وهو ما يعرف بـ (وقت الفراغ)، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصِّحَّة والفراغ"[10].

 

وبعد كل هذا فإن الإنسان سيسأل عن وقته، عن كل ساعة ودقيقة وثانية من عمره وهذا السؤال هو سؤال من أجل تقرير المصير وليس سؤالاً عاديّاً، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم "[11].

 

والإسلام يراعي هذا الجانب ليس من زاوية الوقت فقط، وإنما من زاوية أخرى هي نوعية العمل، والأولوية في الأعمال أثبتها القرآن الكريم حين يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران:68].

 

وهو ترسيخ لمفهوم الأَوْلى ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون 9 ].

 

نلاحظ هنا أن الأموال والأولاد ليست شيئاً غير مهم، بل لهم الأهمية ولكن ذكر الله أهم فتتقدم عليها في الأولوية لذا علينا أن نكون (مبادرين) في إنجاز الأمور المهمة غير المستعجلة وعندما نستطيع أن نقول: (لا) لغير المهم نستطيع أن نقول: (نعم) للمهم. وإذا لم نفعل هذا فإن الأمور الطارئة العاجلة ستملأ علينا وقتنا، وقد تفسِدُ في المآل حياتنا، وهذا ما يؤدي إليه التخطيط اليومي دون التخطيط الأسبوعي أو الشهري أو السنوي، لأن التخطيط اليومي يتعامل مع القضايا والمشكلات التي تتطلب حلولاً سريعة، دون أن يكون لها نفع في تحقيق الأهداف الكبرى على المدى البعيد أحياناً. وهذا هو سر أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- في علاقته مع ربه تبارك وتعالى كان يقدم التوحيد على كل شيء ثم تليه الفرائض ثم السنن والنوافل، ومثال آخر في أولوية الأعمال وارتباطها بالوقت قوله تعالى: ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9].

 

ويلاحظ أن الشريعة الإسلامية ركزت في أوائل المرحلة المكية في الدعوة على بناء الشخصية المسلمة، ولم يكن فيها الكثير من الفرائض والحدود والأحكام، لأن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، فكانت الأولوية لبناء الشخصية وتصحيح مسار عقيدتها وعلاقتها بالله خالقها.

 

ثم بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجتمعه في المدينة بعقد تحالفات مع جيرانه في المدينة لكي يؤمن جانب من هم بجواره أولاً قبل أن يبدأ هو وصحابته بمهاجمة قوافل قريش التي سرقت أموال الصحابة وكل ما تركوه وراءهم في مكة. أي أنه أمن مجتمعه أولاً وبعدها قرر أن يرد على اعتداءات قريش. أقول: فكيف بمن لا يخطط حتى ليوم واحد، وما أكثرهم بيننا!! والتخطيط يكون بالاعتماد على الذات وليس على الآخرين، فمن المعيب أن نطلب من الآخرين أن يخططوا لنا للوصول إلى أهداف تعنينا نحن وتخص حياتنا..

 

فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تكونوا إمَّعةً، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن أساؤوا أسأنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسنوا أن تحسنوا وإن أساؤوا ألّا تظلموا"[12]، والإمّعة بكسر الهمزة وتشديد الميم: الذي لا رأي له، فهو يتابع كل أحد على رأيه.... وهذا أيضاً أقرَّه كبار صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان يموت الميت وعنده ثوبان أحدهما جديد والآخر ليس كذلك، فيتركون الجديد لأهل الميت ويكفنونه بالقديم (مع كونه مناسباً ونظيفاً).. وكأنَّهم يقولون: الحيّ أولى من الميت.. وهذا على المستوى الشخصي، أما إذا كان الإنسان في جماعة فقد تختلف أولويات الجماعة وتكون هي المقدَّمة، وهذا أصل من أصول الفقه الإسلامي في أن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد.

 

كما يدعو علم التنمية البشرية إلى النظر إلى أولويات الخصم أيضا في حالة وجود خصم في القضية..

 

رابعاً: فكر في المصلحة المشتركة

Think win / win

ربح / ربح

 

(المنفعة للجميع):

والمقصود هنا أن يحرص الناجح على تحقيق الربحية له وللأطراف المتعاملة معه أو من يعيش معهم، ونمط التفكير "ربح/ربح" وهذه ليست تقنية وإنما فلسفة شاملة للتعاملات الإنسانية وهو مبدأ أساسي للنجاح في جميع تعاملاتنا، وهو يعني أن الطرفين ربحا لأنهما اختارا الاتفاقات أو الحلول التي تفيد وترضي الطرفين مما يجعل كلا الطرفين يشعر بالراحة لقراراتهم وبالالتزام لأدائها. والشخص الذي يفكر ربح / ربح وتسمى أحياناً فوز/ فوز، لديه ثلاث سمات أساسية، الاستقامة والنضج والوفرة العقلية. فالإنسان المستقيم صادق في أحاسيسه ومبادئه والتزاماته، والناضج يترجم أفكاره ومشاعره بجرأة مع مراعاة مشاعر الآخرين وأفكارهم، والأشخاص ذوي الوفرة العقلية يؤمنون بأن هناك ما يكفي للجميع، ويعترفون بالإمكانيات غير المحدودة لتنمية التعامل الإيجابي والتطوير، مما يخلق بديلاً ثالثاً جديداً ومقبولاً من الطرفين، وإن التعامل بمنطق: إذا كسب الآخرون فسأخسر، يجعل الحياة صعبة.

 

وهذا المنطق ليس صحيحاً دائماً، بل العكس هو الصحيح في كثير من الأحوال. فابحث عن طرق ووسائل للتعاون بدل التناوش مع الآخرين.. هذا باختصار مفهوم العادة الرابعة عند كوفي ولنأتي الآن لننظر لهذه العادة من زاوية الإسلام، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 38 ].

 

آية قرآنية يدعو فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - المرسل من الله قومه إلى مبدأ ربح - ربح فيقول لهم: إن أطعتموني ستهتدون إلى سبيل الرشاد، وهل هناك أكثر ربحاً من الرشاد؟ بطبيعة الحال هو ربح ما بعده ربح.. وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ [غافر: 41 – 43 ].

 

أن أعظم عمليات التفاوض السياسي حدثت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي استخدم فيها مبدأ الفوز لكلا الطرفين ولكن فوز النبي - صلى الله عليه وسلم - كان باتجاه المبادئ والقيم والحق والأخلاق، بينما يعطي للآخرين ما يريدونه من مكاسب دنيوية أو شكلية وهم يطلبون ذلك لسبب بسيط هو أنهم مستندون لعقيدة خاوية غير راسخة وغير حقيقية، كما حصل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم كان المشركون يلاحقونه في هجرته من مكة إلى المدينة، حين أوشك سراقة بن مالك أن يصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الرغم من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ممنوعاً من سراقة إلا أن النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أبرم معه اتفاقاً على مبدأ (فوز - فوز) فكان واجب سراقة أن يضلل من يبحث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقابل أن يحصل سراقة على سواري كسرى حين تفتح فارس.

 

وكذلك ما حصل يوم صلح الحديبية حين جلس سهيل بن عمرو يعقد الصلح مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب (هذا ما تصالح عليه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... الخ) رفض سهيل ذلك وأراد أن يكتب محمد بن عبدالله.. فوافق النبي- صلى الله عليه وسلم - على ذلك لأنه رسولُ الله صدقاً وحقّاً، شاء سهيل أم أبى، ولكنه أراد أن يمنح سهيلاً مكسباً مقابل أن يوقع عهد الصلح مع المسلمين الذي كان فيما بعد فتحاً مبيناً ونصراً كبيراً للمسلمين.

 

خامساً: تفهم الآخرين أولاً

ثم اطلب منهم أن يفهموك

Seek to Understand Before you are understood

كثيرا ما نخفق في تحقيق أهدافنا لأن الآخرين لم يفهمونا جيداً. وهم يفعلون ذلك لأننا لم نعطهم الوقت الكافي لنفهمهم. معادلة بسيطة جداً، إذا أردت من الآخرين أن يفهموك فعليك أن تبادر في ذلك وتفهمهم أوَّلاً، والنجاح الحقيقي في هذا الباب هو أن نستطيع إيصال ما نريد قوله للآخرين دون أن يُساء فهمنا، وعندما نستمع بقصد الفهم تصبح اتصالاتنا أكثرَ فعالية، ونعبِّر عن أنفسنا بطريقة أفضل، كما وعلينا أن ندع تحوير كلِّ شيء حسب رغباتنا ونوقف قراءة توجهاتنا في حياة الآخرين ونبدأ في الاهتمام بما يحاول الآخرون قوله ونكون مستعدين أكثر للإنصات بقصد الفهم والتجاوب والاستفادة أيضاً فذلك هو الجسر الذي يمكن بواسطته الوصول للآخرين.

 

إن الاستماع بشكل جيد للآخرين أمر مهم من ناحية إمكانية أن يطرح الآخرون أفكاراً هامة جدّاً أو يكشفوا عن أشياء كانت خافية قد تؤدي إلى قلب كل التوقعات، بحيث تجعل الشخص يترك كل ما كان يفكر فيه ليبدأ من جديد البداية الصحيحة.

 

والجزء الثاني من هذه العادة أن تحاول أن يفهمك الآخرين تحتاج إلى الجرأة والمهارة، الجرأة في التعبير عن مشاعرك الحقيقية بتفتح وبصدق، ومهارة لتبين بشكل جيد وجهة نظرك، وبناء على قدراتك يفهمونك فحاول أوَّلاً أن تفهمهم والإصغاء مهارة وفن ولها دور كبير في تقوية علاقتنا مع الآخرين وتتيح لنا تبادل المعلومات مع الآخرين بجدوى وفعالية أكثر ومن مشاكل التواصل مع الآخرين اعتقادنا بأننا مفهومون للآخرين، والحقيقة أن الآخرين لا يمكن أن يعرفوا ما بداخلنا إلا إذا أفصحنا نحن عن ذلك، ولا يمكن أن نعرف ما بدواخل الآخرين دون أن نشجعهم على الإفصاح عمَّا يجول في نفوسهم، فكلما تمكنا من التعبير عن مشاعرنا أكثر اقتربت المسافاتُ بيننا وبين الآخرين، وابتعدنا عن المراء السلبي الذي لا طائل منه.

 

وقد كان أساسُ الفهم في القرآن الكريم هو مبدأ (الحوار) حين يكون الكلام بين اثنين من نفس المستوى أو النوع، قال تعالى: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34 ].

 

وقد ذكر القرآن الكريم مجموعة من الحوارات، منها: المحاورة التي جرت بين موسى عليه السلام وفرعون، والحوار بين إبراهيم عليه السلام وبين النمرود، والحوار بين لوط عليه السلام وبين قومه، وقصة شعيب عليه السلام مع قومه في سورة هود، فالآيات العشر الأولى من هذه القصة كلها حوار.

 

والحوار هو أن يتكلم الإنسان ويدلي بدلوه، ثم يعطي الفرصةَ للآخر ليقول ما عنده ويستمع له ويتفهم مقالته، بغض النظر عن مدى صحة أو حقيقة ما يقول المقابل..

 

وهذا يتطلب مهارات معينة للتواصل مع الآخرين، كاستخدام الكلمات بطريقة فعالة وصحيحة والوضوح في الكلام، واستخدام لغة الجسد أحياناً كنظرات العينين وحركة اليدين وطريقة الجلوس وعدم السخرية والاستهزاء بالآخرين والسيطرة على الانفعالات.

 

وحين نقرأ نصَّ وصية أبي بكر رضي الله عنه لأول بعث وجهه للجهاد بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام: (يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر: لا تخونوا، ولا تغُلُّوا، ولا تغدُروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة، ولا تقعروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم، وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان الطعام، فإذا أكلتم منها شيئاً فاذكروا اسم اللّه عليها)[13]، وهذه الوصية فيها فهم كبير وواسع للآخرين ورغباتهم وأمنياتهم وحقوقهم.

 

وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "حدِّثوا الناسَ بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله " [14].

 

وأن تُحِّدثَ الناسَ بما يفهمون وما تدركه عقولهم يستوجب فهم ودراسة إمكانياتهم ومستوياتهم الثقافية والعلمية، كما أن الأمر يتطلب معرفة عاداتهم وأعرافهم الاجتماعية وما إلى ذلك..

 

وتفهم الناس في النظام الإسلامي يعني أن تكون معهم في حالة واحدة تشعر بما يشعرون كأقصى ما يكون من التفاهم، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مَثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحمَّى"[15].

 

سادساً: اعمل مع الجماعة

Synergize

تدعو هذه العادة إلى التعاضد مع الآخرين والعمل معا للوصول إلى الأهداف الشخصية من خلال الجماعة.. وهذه العادة مع العادة الرابعة والخامسة يسميها علم التنمية البشرية (عادات النصر الجماعي).. وهذه العادات تنقلنا نقلة نوعية كبيرة في التعامل مع الآخرين لأن الإنسان يجب أن يدرك تماماً أن نتائج الحياة التي يعيشها تتناسب طرديّاً مع علاقاته مع الآخرين، وأن أكثر من 50% من النجاح الذي يطمح له أي إنسان يرتبط بمن يعيش معهم؛ سواء في البيت أو في المدرسة أو الجامعة أو العمل بشكل عام..

 

وهنا أمر في غاية الأهمية وهو أن التعاضد والتكاتف مع الآخرين لا يعني الاعتماد عليهم وإنكار ذات الشخص بل على العكس تماماً فلن يكون هناك نتاج واضح مع الجماعة ما لم يعتمد الشخص على ذاته (مستقلاً)..

 

وذلك فرق كبير مع مفهوم (التبعية).. والإسلام يعترفُ باجتماعية الإنسان ويقرُّ بها، وأن الله خلقه ليعيش في جماعة يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].

 

ونجد هاهنا أن الإسلام دعا بقوة قد تختلف عن باقي دعواته إلى أمور أخرى من صميم الإسلام.. فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

 

فالتعاون الجماعي يكون على البر والتقوى بالتحديد وليس على شيء آخر والمفروض أن يتوفر مبدأ العدالة فالأفراد سيتعاونون أكثر وبإخلاص إذا ما شعروا أنهم سواسية، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: "كلُّكم بنو آدم، وآدمُ خُلق من تراب، لينتهينَّ قومٌ يفتخرون بآبائهم أو ليكونُنَّ أهونَ على الله من الجُعْلان"[16]، وقبل ذلك فقد أمر القرآن الكريم بالعدل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] والمنهج الإسلامي في العدل يلزم الفرد أن يكون مبدأ العدالة ديدنه حتى مع غير المسلمين، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [ المائدة: 8]. وهنا قصة لابد منها تظهر ثمرة العدل وحقيقته في المنهج الإسلامي والقصة أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين ولَّى عمرو بن العاص على مصر حدث أن كان هناك سباقٌ للخيل واشترك فيه محمد بن عمرو بن العاص ورجل ذمي (غير مسلم)، فاختلفا في فرس من فاز!! فقال محمد وهو ابن الوالي فرسي، وقال الذمي: فرسي، فأثير محمد فضرب الذميَّ على رأسه، وقال: خذها وأنا ابنُ الأكرمين!!

 

فانطلق الرجل مسافراً من مصر وذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المدينة المنورة فشكا له ما حصل.. فلم يتأخر عمر، وفي الحال أرسل إلى عمرو بن العاص وأخبره أن يأتي بابنه معه فحضروا جميعاً، فقام عمر وأعطى الدرة للذمي وقال له: اضرب رأسَ محمد بن عمرو بن العاص، اضرب ابن الأكرمين.. فصار الذميُّ يضربُ ويضربُ حتى شفى غليله، وعمر بن الخطاب يقول له: زد ابن الأكرمين، ثم طلب منه عمر أن يحول الدرة إلى رأس عمرو بن العاص لأنَّ ابنه لم يظلم إلا لأن أباه الوالي، لكنَّ الذمي قال: اكتفيتُ، ثم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قولته المشهورة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، هذه شذرة براقة من نظام العدالة في الإسلام، وهي حادثة حقيقية وليس تنظيراً أو كلاماً في الدعوة إلى نظام مثالي فحسب..

 

وحين يكون الإنسان مع الجماعة أو الفريق فإنه يكون في الخير، قَالَ الرسُول - صلى الله عليه وسلم -: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر. وإن من الناس مفاتيح للشر، مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل اللّه مفاتيحَ الخير عَلَى يديه. وويلٌ لمن جعل اللّه مفاتيح الشر عَلَى يديه"[17].

 

وعن الحارث الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" آمركم بخمس أمرني الله بهنَّ: الجماعةُ، والسمعُ، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله. فمن فارق الجماعةَ فقد خَلع رِبْقَة الإسلامِ من عنقه إلا أن يراجع"[18].. ويلاحظ هنا الترهيب الشديد من ترك الجماعة باعتبار مفارقها مرتداً وهو من الأمور العظيمة في الإسلام، وعن ابن عمر: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: من خرج من الجماعة قِيْدَ شِبرٍ فقد خَلع رِبْقةَ الإسلام عن عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمامُ جماعةٍ فإن موتته ميتة جاهلية)[19]. سُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، يَا رَسُولَ اللهِ! أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "لا، وَلِكنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يعِينَ الرَّجُل قَوْمهُ عَلَى الظُّلْمِ"[20].

 

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ المؤمنَ للمؤمن كالبنيان، يشدُّ بعضُه بعضاً، وشبك أصابعه "[21].

 

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (الزموا هذه الطاعةَ والجماعةَ، فإنه حبلُ الله الذي أمر به، وإنَّ ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة). ولم يكتف الإسلامُ بالدعوة إلى الجماعة فحسب، بل دعا إلى أداء بعض العبادات جماعةً كالصلاة، ولم يكتف بالدعوة لذلك بل رغَّب ترغيباً شديداً فيها، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاةُ الجماعة تفضُل صلاةَ الفَذِّ بسبع وعشرين درجة"[22]. وهذا دليل كبير على أن الدعوة للجماعة في الإسلام ليس القصد منها مجرد أداء عبادات بشكل جمعي، بل لما فيها أيضاً من فوائد جمَّة للإنسان في أمور حياته وبناء شخصيته، فضلاً عمَّا يكتسبه الإنسان من حسنات من أجل آخرته، ثم حذر من الانفراد والانشقاق عن الجماعة وبيَّن إن العواقبَ وخيمةٌ إزاء ذلك الفعل وما دام الأمر فيه جماعة فلا بد من وجود إمام أو أمير وهو ما يعرف في علم التنمية البشرية (القائد) أو رئيس المؤسسة، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصْبر، فإنه ليسَ أحدٌ يفارق الجماعةَ شبراً فيموتُ، إلا مات مِيتةً جاهلية"[23].

 

وطاعة القائد واجبةٌ لازمة دون النظر إلى جنسيته أو لونه، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب: "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبدحبشي كأن رأسه "[24]. وغير ذلك فإن العمل مع الجماعة في الإسلام يقتضي المراقبة، وليس ترك الأمر على الغَارِب بلا رقيب ولا حسيب، فكانت منهجية الإسلام في هذا الباب أنَّ الرقيب العام هو الله ثم رسوله لمن عاشوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ثم المرحلة الآخرة من المراقبة وتقويم أعمال الإنسان وهي الجماعة التي يعيش الإنسان معها، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105]. فالجماعة أو الفريق جعلهم الله شهداءه في الأرض، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه فيقول أنس بن مالك رضي الله عنه أنهم مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَجَبَتْ". ثم مرُّوا بأخرى فأثنوا عليها شرّاً، فقال: "وجبتْ" فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما وجبتْ؟ قال - صلى الله عليه وسلم -:"هذا أثنيتمْ عليه خيراً، فوجبتْ له الجنَّةُ، وهذا أثنيتمْ عليه شرّاً، فوجبتْ له النَّارُ، أنتم شهداء الله في الأرض"[25].

 

فأي منظومة تنموية عظيمة تلك التي تجعل المخلوقَ الضعيفَ صاحب الشهوات وصفات النقص يسمو لأعلى الدرجات حين يكون مؤمناً، وحين تكون ثقته بالله عالية، فالمؤمن من شهداء الله في أرضه.

 

ودعت الشريعة الإسلامية إلى تنمية القيم الأخلاقية الرفيعة للجماعة كالشورى والمساواة والتعاون والتكافل الاجتماعي والإصلاح بين الناس والعدالة الاجتماعية ودعت إلى جعلها ممارسات اجتماعية وليس تنظيراً فحسب..

 

سابعاً: اشحذ المنشار

Sharpen the Saw

فعندما تحرص على شحذ سن المنشار باستمرار فإنك ستقطع الحطب بسرعة أكبر مما إن كان سن المنشار قديماً. والمقصود هو أهمية مراجعة النفس وتقييمها باستمرار وتطوير نواحي الضعف والقصور فيها وتذكير النفس بالمبادئ الأساسية التي تتصرف من خلالها. والجسم والعقل والروح يؤثِّر كلٌّ منها على الآخر فإذا اضطرب أحدها اضطرب الآخَر. فلا بد من السعي المتواصل إلى إيجاد التوازن فيما بينها وتوفير الغذاء والطاقة اللازمة لكل منها لكي تنمو وتترعرع بشكل سليم، ولكي نعمل بفعالية نحتاج إلى شحذ المنشار، بمعنى آخر نحتاج إلى صيانة وتطوير أنفسنا. ومفتاح النجاح لشحذ المنشار يكمن في العمل بصفة دوريه على الأبعاد الأربعة للتجديد وهي: تنميتنا الإسلامية البدنية، والعقلية، والاجتماعية، والروحانية، ويقول كوفي وبحسابات الدراسات الرصينة في هذا المجال يحتاج الإنسان للعمل لمدة 3 ساعات تقريباً أسبوعيّاً على كلِّ بُعد من هذه الأبعاد، ويلاحظ أن الصلوات المكتوبة مثلاً تستغرق ما يقارب ساعتين على أقل تقدير أسبوعيّاً، ولو حُسبت مع النوافل لبلغت الثلاثَ ساعات، وهي تدخل في البعدين الروحي والبدني..

 

ويدلنا التشريع الإسلامي على الوسائل لشحذ الهمم، ومنها الاستعانة بالصبر وبالصلاة في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45].

 

والصبر المطلوب الذي يشحذ الهمم ويُقوِّي العودَ، ويربِّي النفسَ هو صبر الشدائد، وليس الصبر العادي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بامرأة تبكي عند قبر، فقال: "اتَّقي الله واصبري" قالت: إليك عني، فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنَّما الصبرُ عند الصدمةِ الأُولى"[26].

 

والأمر الآخر الذي ورد في الآية بعد الصبر هي الصلاة، حيث يقول الدكتور ألكسيس كاريل حول موضوع القوى العظمى التي ينالها المؤمن من الصلاة: (لعل الصلاةَ هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عُرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت بوصفي طبيباً كثيراً من المرضى فشلت العقاقير الطبية في علاجهم فلما رفع الطبُّ يده عجزاً وتسليماً تدخلت الصلاةُ فأبرأتهم من عللهم، إن الصلاة كمعدن الراديوم مصدر للإشعاع ومولد ذاتي للنشاط).

 

وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جدِّدوا إيمانكم"، قالوا: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكيف نجدد إيماننا قال: "أكثروا من قول: لا إله إلا الله "[27].. وأوجب الإسلام أركاناً من شأنها أن تجدد الإنسان وتشحذَ همَّته، ومنها الحجُّ والحجُّ ركنٌ عظيم يتجدد فيه الإنسان من كل جوانبه تتجدد روحه، وعقله، وفكره، وقوته الجسمانية، فهو يخضع لبرنامج تعبدي منقطع النظير من الممارسات الروحانية والمادية والجسمانية، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حجَّ هذا البيت، فلم يرفثْ، ولم يفسُقْ، رجَع كيوم ولدته أمه"[28]..

 

كما أن الزكاة هي وسيلة أخرى لشحذ المنشار وإعادة تنظيم النفس، والزكاة في اللغة: النماء والتطهير. فالمال ينمو بها من حيث لا يُرى. وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب. وقيل: لينمو أجرها عند الله تعالى. وسميت في الشرع زكاة، لوجود المعنى اللغوي فيها. وقيل: لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة إيمانه.. يقول (لكين شلتون) في كتابه "النجاح الحقيقي": تُعدُّ الثقة بالنفس العنصرَ الأساسي الثاني الضروري للنجاح.

 

ويعتقد الذين يعتدون بذاتهم أنهم قادرون على النجاح في كل ما يفعلونه. إنهم يحترمون أنفسهم ويعلمون أن الآخرين يحترمونهم أيضاً، ومن أجل منح الشخص المزيد من الثقة لتجديد روحه في إنجاز الأعمال وقتل الرتابة والملل يقول صمويل سمايل: (ازرع فكرة تجني عملاً، ازرع عملاً تجني عادة، ازرع عادةً تجني خُلقاً، ازرع خُلقاً تجني مستقبلاً باهراً).

 

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإنْ هو همَّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً"[29]. وهنا أيضاً ترينا الشريعة أن صفاء النية لابد منها في الأعمال؛ لأن من الممكن للإنسان أن يثاب عليها، وهي ضرورية بل واجبة، فالعمل التنموي الذي يأتي بموافقة تحدث لا يعتبر من وجهة نظر الإسلام تنمويّاً ما لم تعقد النية فيه ويكون مع سبق الإصرار، وهي شرط لازم لصحة العمل التنموي.

 

وكان رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما منْ شيءٍ يُوضَعُ في الميزانِ أثقلَ من حُسنِ الخُلقِ وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخُلقِ، ليبلُغُ بهِ درجَةَ صاحِبِ الصَّومِ والصَّلاةِ "[30] ونلاحظ قول الخبير في التنمية البشرية كيف يقول: (ازرع خلقاً تجني مستقبلاً باهراً )..

 

ونلاحظ في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف قد وضع صاحب الخلق الحسن بمصافِّ الصائمين والقائمين، وينمو حسن خلقه نماءً ليس له مثيل، حتى حين يوضع في الميزان يوم القيامة، إذ يجده قد تنامى حتى ما من شيء أثقلُ منه..



[1] رواه الترمذي في كتاب الزهد.

[2] رواه البخاري.

[3] رواه أبو داود.

[4] روا أبو داود.

[5] رواه البخاري.

[6] رواه البخاري.

[7] رواه البخاري.

[8] رواه البخاري.

[9] رواه الترمذي.

[10] رواه البخاري.

[11] رواه الترمذي.

[12] رواه الترمذي.

[13] رواه مالك، والبيهقي.

[14] رواه البخاري.

[15] رواه البخاري ومسلم.

[16] رواه البزار.

[17] رواه ابن ماجه والطبراني.

[18] رواه البخاري في تاريخه والنسائي والبيهقي.

[19] رواه الحاكم وصححه.

[20] رواه ابن ماجه.

[21] رواه البخاري.

[22] رواه البخاري.

[23] رواه البخاري.

[24] رواه البخاري.

[25] رواه البخاري.

[26] رواه البخاري.

[27] رواه الإمام أحمد في مسنده.

[28] رواه البخاري.

[29] رواه البخاري.

[30] رواه البخاري.



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/culture/0/63692/#ixzz3sPrbWRIc

القائمة البريدية اكاديمية فلسبي

أحدث الدورات وآخر العروض تصلك مباشرة على بريدك الالكتروني. سجل بريدك هنا


مدرب معتمد